محمد بن جرير الطبري
40
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يداه ، وإن كان الذي جر عليه لسانه أو فرجه ، فكذلك قوله أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ واختلفت القراء في قراءة قوله : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً فقرأه بعض أهل المدينة ومكة ، وهو نافع وابن كثير وعامة قراء العراق وَنُخْرِجُ بالنون لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً بفتح الياء من يلقاه وتخفيف القاف منه ، بمعنى : ونخرج له نحن يوم القيامة ردا على قوله أَلْزَمْناهُ ونحن نخرج له يوم القيامة كتاب عمله منشورا . وكان بعض قراء أهل الشام يوافق هؤلاء على قراءة قوله وَنُخْرِجُ ويخالفهم في قوله يَلْقاهُ فيقرؤه : " يلقاه " بضم الياء وتشديد القاف ، بمعنى : ونخرج له نحن يوم القيامة كتابا يلقاه ، ثم يرده إلى ما لم يسم فاعله ، فيقول : يلقى الإنسان ذلك الكتاب منشورا . وذكر عن مجاهد ما : حدثنا أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا يزيد ، عن جرير بن حازم عن حميد ، عن مجاهد أنه قرأها ، " ويخرج له يوم القيامة كتابا " ونخرج قال : يزيد : يعني يخرج الطائر كتابا ، هكذا أحسبه قرأها بفتح الياء ، وهي قراءة الحسن البصري وابن محيصن ؛ وكأن من قرأ هذه القراءة وجه تأويل الكلام إلى : ويخرج له الطائر الذي ألزمناه عنق الإنسان يوم القيامة ، فيصير كتابا يقرؤه منشورا . وقرأ ذلك بعض أهل المدينة : " ويخرج له " بضم الياء على مذهب ما لم يسم فاعله ، وكأنه وجه معنى الكلام إلى ويخرج له الطائر يوم القيامة كتابا ، يريد : ويخرج الله ذلك الطائر قد صيره كتابا ، إلا أنه نحاه نحو ما لم يسم فاعله . وأولى القراءات في ذلك بالصواب ، قراءة من قرأه : وَنُخْرِجُ بالنون وضمها لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً بفتح الياء وتخفيف القاف ، لأن الخبر جرى قبل ذلك عن الله تعالى أنه الذي ألزم خلقه ما ألزم من ذلك ؛ فالصواب أن يكون الذي يليه خبرا عنه ، أنه هو الذي يخرجه لهم يوم القيامة ، أن يكون بالنون كما كان الخبر الذي قبله بالنون . وأما قوله : يَلْقاهُ فإن في إجماع الحجة من القراء على تصويب ما اخترنا من القراءة في ذلك ، وشذوذ ما خالفه الحجة الكافية لنا على تقارب معنى القراءتين : أعني ضم الياء وفتحها في ذلك ، وتشديد القاف وتخفيفها فيه ؛ فإذا كان الصواب في القراءة هوما اخترنا بالذي عليه دللنا ، فتأويل الكلام : وكل إنسان منكم يا معشر بني آدم ، ألزمناه نحسه وسعده ، وشقاءه وسعادته ، بما سبق له في علمنا أنه صائر إليه ، وعامل من الخير والشر في عنقه ، فلا يجاوز في شيء أعماله ماقضينا عليه أنه عامله ، وما كتبنا له أنه صائر إليه ، ونحن نخرج له إذا وافانا كتابا يصادفه منشورا بأعماله التي عملها في الدنيا ، وبطائره الذي كتبنا له ، وألزمناه إياه في عنقه ، قد أحصى عليه ربه فيه كل ما سلف في الدنيا . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً قال : هو عمله الذي عمل أحصي عليه ، فأخرج له يوم القيامة ما كتب عليه من العمل يلقاه منشورا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً أي عمله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ قال : عمله نُخْرِجُ لَهُ قال : نخرج ذلك العمل كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً قال معمر : وتلا الحسن : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك ، ووكل بك ملكان كريمان ، أحدهما عن يمينك ، والآخر عن يسارك . فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك . وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك ، فاعمل ما شئت ، أقلل أو أكثر ، حتى إذا مت طويت صحيفتك ، فجعلت في عنقك معك في قبرك ، حتى تخرج يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً قد عدل والله عليك من جعلك حسيب